إعلانات

انتخابات الرئاسة الإيرانيّة 2021: سؤال الشرعيّة والاستمراريّة

اثنين, 28/06/2021 - 15:34

شهدت إيران انتخابات رئاسية في الثامن عشر من حزيران/ يونيو 2021؛ وهي الانتخابات الثالثة عشرة منذ إقامة الجمهورية الإسلامية عام 1979. وفاز فيها رئيس السلطة القضائية، إبراهيم رئيسي، في الجولة الأولى، بنسبة 62 في المئة من الأصوات، وبفارق كبير مقارنةً بأقرب منافسيه محسن رضائي الذي حلّ ثانيًا بنسبة 11.8 في المئة من الأصوات. وقد شهدت الانتخابات أقل مستوى مشاركة على الإطلاق في أي انتخابات رئاسية؛ إذ بلغت نسبتها أقل من 49 في المئة باعتبار الذين يحقّ لهم الاقتراع (28.9 مليون من أصل 59 مليون ناخب)[1].

صعود اليمين المحافظ

جاءت نتائج الانتخابات متوافقة مع التوقعات بعد أن قام مجلس "صيانة الدستور"، وهو السلطة المسؤولة عن النظر في صلاحية المرشحين للانتخابات، باستبعاد أغلب المرشحين من التيارات السياسية المختلفة في البلاد الذين كان يمكن أن يشكّلوا تحديًا أمام إبراهيم رئيسي. بهذا المعنى، يمكن القول إن الانتخابات تمّت "هندستها" بطريقة تؤدي إلى فوز رئيسي، المحسوب على اليمين المحافظ.

ويمكن، عمومًا، تمييز ثلاثة تيارات سياسية رئيسة في إيران، هي: الإصلاحيون، والمحافظون المعتدلون (الوسط)، واليمين المحافظ. وقد كان الإصلاحيون يحظون بتأييد شعبي واسع في تسعينيات القرن الماضي حتى مطلع الألفية، إلا أنهم أُبعدوا عن جميع المناصب المهمة في الدولة، كما جرى استبعاد مرشحيهم في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة. وتعود أسباب تضاؤل حظوظ التيار الإصلاحي إلى جملة من العوامل أبرزها غياب أيّ نوع من التكامل بينهم على الصعيد الأيديولوجي أو التنظيمي. فالإصلاحيون بمنزلة طيف واسع وغير منتظم من الناشطين السياسيين والمفكرين والتكنوقراط الذين يعتنقون مبادئ الثورة في خطوطها العريضة، لكنهم يؤمنون كذلك بضرورة إصلاح النظام، على أن يكون ذلك من دون اتفاق على ما يجب إصلاحه فيه، وفي أي اتجاه أيضًا. وقد نجح بعض رموز هذا التيار، في مرحلة سابقة، في حشد وتعبئة جمهور واسع من الناخبين وراء بعض شعارات الإصلاح الفضفاضة؛ كما فعل الرئيس السابق محمد خاتمي (1997-2005)، ورئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي (1981-1989) الذي ترشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2009. لكن منذ ذلك الوقت فشل الإصلاحيون في الاتفاق على برنامج انتخابي شامل ومتماسك، ولم يستطيعوا تشكيل أحزاب أو تيارات سياسية قادرة على بلورة تلك الأفكار وحشد التأييد لها، كما أنهم حُوربوا - عمليًّا - من طرف مؤسسات الدولة.

أما تيار "الوسط" في السياسة الإيرانية، فيمثله التكنوقراط أصحاب النزعة الإنمائية، ويعتبر هؤلاء امتدادًا لأفكار الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني وسياساته. وينتمي الرئيس حسن روحاني وعدد من وزراء حكومته إلى هذا التيار. وينتظم هذا التيار في حزب سياسي هو حزب "صناع الإعمار" (حزب کارگزاران سازندگی ایران)، وهو يتبنى مواقف "معتدلة" في قضايا السياستين الداخلية والخارجية، وهو أيضًا من مناصري سياسة "الانفتاح" الاقتصادي. وخلافًا للتيار الإصلاحي، سمح لأحد أعضاء الـ "كاركزاران"، وهو عبد الناصر همتي، حاكم مصرف إيران المركزي السابق، بخوض الانتخابات الأخيرة، لكنه فشل في الحصول على حصة وازنة من الأصوات؛ إذ بلغت نسبة المصوتين له 8.4 في المئة فقط من الناخبين.

أما تيار اليمين المحافظ في الساحة السياسية الإيرانية، فيطلق على أنصاره اسم "المبدئيون"، أو "الأصوليون"، لتمسكهم بالعقائد الأساسية أو الأصول التي انطلقت منها الثورة الإسلامية في إيران. وهم بدورهم منقسمون بين "يمين جديد" و"يمين تقليدي". ويضم اليمين الجديد، الجيلين الثاني والثالث من أبناء الثورة؛ أي جيل أبناء صناع الثورة وأحفادهم. ويضم هؤلاء، على نحو رئيس، كوادر الحرس الثوري، ويتبنَّون غالبًا مواقف وسياسات شعبوية؛ مثل توزيع عوائد النفط مباشرة على الشعب في شكل مبالغ نقدية. ومن أبرز المحسوبين على هذا التيار الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. وقد مثّل هذا الاتجاه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة سعيد جليلي، إلا أنّ حظوظه كانت ضئيلة بحسب استطلاعات الرأي العام؛ ما جعله ينسحب قبل الانتخابات لصالح إبراهيم رئيسي.

أما اليمين التقليدي فهو ممثَّل بشخص الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي، يقف على رأسه المرشد علي خامنئي، وهو تيار معروف بتمسكه بـ "ولاية الفقيه"، ويتبنّى العدالة الاجتماعية نهجًا اقتصاديًا. أما في السياسة الخارجية، فيُعد هذا التيار معاديًا للولايات المتحدة، ورافضًا لأي تقارب معها. ويعتبر نفسه امتدادًا لخط مؤسس الجمهورية، آية الله الخميني، ومن بعده خامنئي. وبهذا المعنى، تُعد هندسة الانتخابات لضمان وصول رئيسي إلى رئاسة الجمهورية محاولةً لصون إرث خامنئي، ومن قبله الخميني، وضمان "السلامة العقائدية" للجمهورية الإسلامية أيضًا.

بين الاستمرارية والتغيير

بناءً على ما تقدّم، لن يؤدي انتخاب إبراهيم رئيسي - على الأرجح - إلى تحولات جوهرية في السياسة الإيرانية، وهناك ثلاثة عوامل ترجّح الاستمرارية. أولًا، أنّ رئيسي يُعدّ من أقرب التلامذة إلى خامنئي، وقد حرص خامنئي على دعم وصول رئيسي إلى أرفع المناصب في الدولة. وخلال الاحتفالات بالذكرى الأربعين لقيام الجمهورية الإسلامية عام 2019، أعلن خامنئي ما سمّاه "المرحلة الثانية للثورة"؛ وهي جملة إجراءات تهدف، بحسب قوله، إلى "تعزيز أسس الثورة وقيمها وضمان استمراريتها في السنوات اللاحقة". ومن بين الإجراءات المتخذة، قيام خامنئي بتعيين خطباء للجمعة أكثر شبابًا، وأكثر التزامًا بقيم الثورة، بوصفهم ممثلين عنه في الأقاليم. وحرص خامنئي أيضًا على مساندة مَن سمّاهم "أوفياء"؛ مثل رئيسي الذي عيّنه رئيسًا للسلطة القضائية كتعويض له عن خسارته الانتخابات الرئاسية أمام روحاني عام 2017. وقد شنّ رئيسي، بمجرد وصوله إلى رئاسة جهاز القضاء، حملة تطهير واسعة قام فيها باستبدال القضاة الذين اعتبرهم فاسدين بقضاة وقع الاختيار عليهم بسبب "صحة" معتقداتهم والتزامهم بخط المرشد.

أمّا العامل الثاني الذي يرجح استمرارية الخط الحالي للنظام هو تزايد تدخل المرشد في إدارة شؤون الدولة؛ فقد أخذ خامنئي يضطلع بدور أكبر في تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد بعد انتخابات العام 2009 الرئاسية التي طعن الإصلاحيون ومعهم فئات مدينية واسعة في نتائجها. واتسعت تدخلاته أكثر خلال الولاية الثانية لأحمدي نجاد، وقد كانت مشحونة بالاضطرابات. وبهذا المعنى، يمثّل انتخاب رئيسي سابقةً في تاريخ الجمهورية الإيرانية؛ ذلك أنّ الرئاسة تتماهى تمامًا مع خط الولي الفقيه. ففي عهد الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني (1989-1997)، تبنّت الرئاسة خطًّا سياسيًا مستقلًّا عن المرشد، وقد اضطلع رفسنجاني نفسه بدورٍ رئيسٍ في تثبيت سلطة خامنئي، الذي لم يكن شخصية مركزية في النظام عندما تولى منصب المرشد عام 1989. وفي عهد محمد خاتمي، تبنّت الرئاسة خطًّا إصلاحيًا كان يهدف إلى تحديد السلطات المطلقة للمرشد الأعلى المعبر عنها في "ولاية الفقيه". وفي عهد محمود أحمدي نجاد (2005-2013)، مثّلت سياساته الشعبوية و"المهدوية" (التي تقوم على انتظار عودة المهدي، آخر الأئمة عند الشيعة الاثني عشرية) محلّ خلاف شديد مع المرشد الذي اعتبر أفكار نجاد "منحرفة". بدوره، حرص الرئيس حسن روحاني (2013-2021) على التمسك بقدر من الاستقلالية، رغم أنه تفادى دائمًا الاحتكاك مع خامنئي. ومع أنه يجب انتظار تقلّد إبراهيم رئيسي مقاليد الرئاسة حتى تتبيّن سياساته الفعلية، فإنّ جميع المؤشرات تدل على وجود تطابق بين برامجه الرئاسية وبين نهج خامنئي.

أمّا العامل الثالث الذي يرجّح استمرارية السياسة الإيرانية في عهد رئيسي، فهو متعلق بالمؤسسات التي تصاغ فيها السياسات الخارجية والأمنية للدولة. هنا، يؤدّي "المجلس الأعلى للأمن القومي" دورًا محوريًا؛ إذ تصاغ تقريبًا جميع السياسات المهمة والسيادية للدولة في أروقته. ويتكون المجلس الأعلى للأمن القومي من أعضاء ينتمون إلى أجهزة الحكومة الثلاثة: التشريعي، والتنفيذي، والقضائي - الديني، كما تشمل عضويته قادة في الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، إضافةً إلى ممثل عن مكتب خامنئي. وقد اضطلع المجلس بدور مهمّ في صياغة السياسة الإيرانية في الملفات الكبرى؛ مثل الملف النووي والموقف من الولايات المتحدة. وعلى الرغم من التغييرات في رئاسة الجمهورية وطاقم السياسة الخارجية، فإنّ ثوابت المجلس الأعلى للأمن القومي لا تزال راسخة.

داخليًا، يُتوقع أن يواصل إبراهيم رئيسي العمل في مكافحة الفساد. وهو المشروع الذي بدأه قبل عامين عندما تسلّم رئاسة السلطة القضائية. ورغم انتشار أفكارٍ مفادها أنّ وصوله إلى الرئاسة سوف تكون له تداعيات سلبية كبيرة على المجالين السياسي والاجتماعي في إيران، فإنّ التركيبة المعقدة للمجتمع الإيراني ستجعل من الصعب إعادة تشكيل المجال العامّ وفق رؤية اليمين المحافظ. كما أنه من غير المتوقع حدوث تغييرات كبيرة في المجال الاقتصادي، حتى لو رُفِعت العقوبات المفروضة على إيران ما إنْ تجري العودة إلى الاتفاق النووي، وحتى لو حصل تدفّق أكبر لرؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية. لذلك، من المرجح أن تستمر برامج الخصخصة التي انطلقت في التسعينيات، بغضّ النظر عن شعارات العدالة الاجتماعية التي يرفعها رئيسي؛ ومن ثمّ سوف تتغلب سياسات الخصخصة على أيّ مشاريع محتملة لمحاربة الفقر.

اقرأ/ي أيضًا | تقدير موقف | القمة الأميركية - الروسية في جنيف: حساباتها ونتائجها

أما في السياسة الخارجية، فقد سبق أن أعلن إبراهيم رئيسي تأييده للمفاوضات الجارية في فيينا بشأن الملف النووي والعودة إلى اتفاق 2015، كما أعرب عن رغبته في تحسين العلاقات مع السعودية، لكنه يرفض التفاوض في برنامج صواريخ إيران الطويلة المدى، أو المسّ بعلاقتها بالميلشيات المسلحة في سورية والعراق، أو دولة أخرى من دول المنطقة. والواضح أن هذه السياسات لن تتعرض لأي تغيير بغضّ النظر عن هوية الرئيس، باعتبارها سياسات النظام المتمثل في هذا المجال بالمجلس الأعلى للأمن القومي الذي تشكّل فيه رئاسة الجمهورية أحد الأطراف.

خاتمة

بيّنت انتخابات إيران الرئاسية الأخيرة أنّ النظام الإيراني يواجه تحديات متصلة بشرعيته في الحكم؛ إذ بلغت نسبة المشاركة الشعبية أدنى مستوى لها منذ إعلان الجمهورية قبل 42 عامًا. ومقارنةً بآخر دورتين انتخابيتين؛ حيث شارك ما يقارب 73 في المئة من الناخبين المسجلين عامَي 2013 و2017، في حين بلغت نسبة المشاركة 85 في المئة في انتخابات 2009، تُشير الأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية، في المقابل، إلى أنّ نسبة المشاركة في انتخابات 2021 لم تتجاوز 49 في المئة. وإذ نظرنا إلى هذه الأرقام من منظور مناطقي/ إقليمي، فإننا نلاحظ أن أعلى نسب مشاركة كانت في المحافظات النائية والأقل تطورًا؛ مثل محافظة سيستان وبلوشستان، التي بلغت نسبة المشاركة فيها 65 في المئة، ومحافظة إيلام، حيث أدلى 63 في المئة من الناخبين بأصواتهم، في حين لم تتجاوز نسبة المشاركة في محافظة طهران الكبرى 24 في المئة. ويعود الارتفاع النسبي للمشاركة في الريف الإيراني إلى أن الانتخابات الرئاسية والبلدية جرت في الآن نفسه. والمعروف أن وشائج القربى والروابط العشائرية تمثّل دافعًا قويًّا لسكان الريف للمشاركة في الانتخابات البلدية. من الواضح أنه وقع شرخ عام 2009 - وهو مستمر في الاتساع - يتمثل باغتراب المدن الإيرانية والمراكز المدينية عمومًا عن النظام القائم وخطابه وشعاراته. ويُعد العزوف عن التصويت أكثر تعبيرًا عن هذا الاغتراب من المشاركة بالتصويت للمعارضة.

ومن أجل استعادة ثقة الجمهور بالنظام، في ظل هذه الظروف، ليس للأصوليين - الذين يشغلون أكثر المناصب العليا في الدولة اليوم - إلا العمل على تحسين الحياة المعيشية لعامة الشعب الإيراني، وخفْض نسب البطالة والبطالة المقنّعة التي تبلغ بحسب أرقام الحكومة 11 في المئة (في حين أنها تبلغ، بحسب أرقام مجلس الشورى، ضعف هذا الرقم)، وخفْض التضخم الذي تصل نسبته إلى 36 في المئة سنويًّا، بحسب مركز الإحصاء القومي في إيران، ووقف تدهور قيمة العملة، وتعزيز الإنتاج الصناعي. أما على الصعيد الخارجي، فمن غير الواضح الكيفية التي ستكون عليها نتائج ظهور النظام الإيراني بصوت واحد على الساحة الدولية؛ إذ طالما اعتبرت دول الجوار، الخليجية خصوصًا، أنّ دعوات حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف إلى الحوار غير ذات قيمة، باعتبار أنها لا تمثّل خامنئي والحرس الثوري؛ أي السلطة الفعلية في إيران. الآن، لن يعود هناك مبرر للحديث عن ازدواجية سلطة في إيران بعد أن أصبح اليمين يُمسك بكل مقاليد الحكم، وبعد أن أصبح حديثُ الجميع بلسان المرشد.