إعلانات

العميد محمد عبد الله ممين .. يكتب عن : ذكرياته من القصر الرئاسي

سبت, 25/07/2026 - 19:25
العمبد محمد عبدالله ممين

بدأت الذكريات تتزاحم في رأسي، واحدة تلو الأخرى، وأنا أدخل باحة القصر الرئاسي خاصة عندما اتجهت  يمينا نحو المبنى القديم، مقر انعقاد المؤتمر الصحفي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

المكان يشكل بالنسبة لي خزان ذكريات… في أواخر الثمانينيات وطيلة عقد التسعينيات، ها أنذا أسير في نفس الطريق التي كنت أسلكها على متن سيارة البث المباشر، صحبة الزميل العميد يدالي حسن، ونحن نغطي معا استقبال قادة كبار، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الملك الأردني حسين، الرئيس المصري محمد حسني مبارك، والرئيس الغامبي داوودا جاوارا، والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، والرئيس الفرنسي جاك شيراك، والرئيس التونسي زين العابدين بن علي، والرئيس السنغالي عبدو ضيوف.

وفي مرحلة لاحقة وأنا مراسل العربية ة جئت لتغطية قادة آخرين، منهم الملك المغربي محمد السادس وأمير قطر الراحل حمد آل ثاني وغيرهم.

وانا اقف الباحة امام بهو القصر القديم تذكرت ساعات طويلة صحبة  مراسل الوكالة انذاك محمد ولد أوفي والمصور جيي جلو  وقفزت إلى ذهني ذكريات حوارات سريعة أجريناها مع شخصيات بارزة، مثل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي، ورئيس الوزراء الجزائري الأسبق أحمد غزالي وعصمت عبد المجيد الامين العام الأسبق للجامعة العربية (الصورة)، ووزير الخارجية العراقي الأسبق طارق عزيز، ووزير الخارجية الجزائري الأسبق الأخضر الإبراهيمي، وغيرهم من كبار الزوار.

وفي الباحة المقابلة وقفت في صباحات شهري نوفمبر وديسمبر الباردة أغطي احتفالات رفع العلم بمناسبة عيد الاستقلال وعيد 12/12. وهنا أيضا كنت أحمل جهاز التسجيل “النگرا” على كتفي، وأقطع الطريق إلى مبنى الإذاعة مشيا على الأقدام كلما تأخرت سيارة «الريبرتاج الوحيدة R12». تعب حمل ذلك الجهاز الذي يزن 14 كيلوغراما، ربما ساعدني في تحمله الطموح والإيمان بالمهنة من جهة، وحداثة السن من جهة أخرى.

آلام مزمنة تلازمني في المنكبين إلى الآن بسبب حملي جهاز النكرا، وقد عاودتني تلك الآلام البارحة مع اشتداد برودة التكييف داخل قاعة المؤتمر الصحفي.

في مقعدي بالزاوية القصية يسار. القاعة حاولت أن أتسلى بالذكريات وأنا أنظر إلى المنصة وأنغرس بين الوجوه من حولي.

رفعت يدي مرتين ثم عدلت عن ذلك. أحسست أنني لن أحظى بفرصة لتوجيه سؤال، كما لم تتح لي فرصة إهداء الرئيس نسخة من كتابي الجديد «موريتاني في بلاد فارس».

اعتبرت ان مشاركة صحفي متقدم في السن عاصر أغلب الأنظمة قد يكون فيه نوع من التدوير الذي يرفضه الشباب، خاصة أن هذه مأموريتهم.

ولهذا لم يكن في الأمر ما يزعجني، فأنا متعود على الإقصاء والتهميش، ومتصالح معهما لكن ما حظيت به في عهد محمد ولد الشيخ الغزواني من احترام وتقدير لم أحظ به من قبل، فقد منحني مشكورا وسام فارس في نظام الاستحقاق الوطني.
لكن ذلك ماكان ليحول دون طرح كل الاسئلة الوارد طرحها لكن باحترام  ومهنية وجرأة .
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي القول إن مجرد انعقاد مؤتمر صحفي مفتوح للرئيس يمثل خطوة تستحق التقدير. 
فمثل هذه اللقاءات تكسر الحاجز بين مؤسسة الرئاسة والصحافة، وتفتح بابا للحوار المباشر، وهو تقليد مهني ينبغي الحفاظ عليه وتطويره، لأن قيمة المؤتمر لا تكتمل إلا حين يشعر جميع الصحفيين أن فرصهم في السؤال متكافئة. وهذا أمر كان شبه مستحيل البارحة مع وجود أكثر من 120 مدونا وصحفيا، “ما فيهم العاط الخطمه للثاني” كما نقول بالحسانية.

لكن من حسنات المؤتمر الصحفي للرئيس غزواني أنني استرجعت بسحر المكان الكثير من الذكريات.

ذكريات ستفيدني في كتابي القادم الذي سأكرس فصله الأول لبداياتي مع صاحبة الجلالة.

ووسط هذه الزحمة أخذت أتأمل الوجوه من حولي، وكانت معظمها وجوها شابة، من ضمنهم كفاءات مميزة.

حين اكتشفت أنني الأقدم بين الحاضرين لم يحزنني ذلك، بل أعادني نحو ثلاثين عاما إلى الوراء، إلى المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الفرنسي جاك شيراك في القصر الرئاسي القديم عام 1997.

كان للمؤتمرات الصحفية آنذاك طعم خاص، إذ لم يكن يسمح بحضورها إلا لثلة قليلة.

أتذكر أنني شاهدت عن قرب الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع وهو يدخل قاعة المؤتمر قبل انعقاده ليتابع أدق التفاصيل بنفسه. وكان مدير التشريفات ماء العينين ولد التومي يشرف على الترتيبات، فيما كان المصور أكنين ولد أحمد يراجع زوايا الصورة. وحين أبدى الرئيس ملاحظة على المنصة، أعيد ترتيبها، ووُضعت سجادة من إنتاج شركة زرابي موريتانيا في الخلفية، ولهذا تأخر المؤتمر عن موعده بضع دقائق.

كنت أجلس يومها في الصف الثالث إلى جانب الزميل أحمد سالم البخاري، الصحفي حاليا في مكتب قناة الجزيرة في نواكشوط، بينما كان الزميل شخنا ولد النني، السفير حاليا، يجلس خلفي مباشرة. وحين أشار الرئيس جاك شيراك إلى جهتي، ظن الزميل سخنا أن الإشارة إليه، فبادر بالسؤال. وبعد أن انتهى من الإجابة، أراد الرئيس معاوية أن يمنح الكلمة لصحفي فرنسي، لكن شيراك استوقفه بلطف وقال: «لقد بدأنا مع هذا الصحفي، فلنعد إليه أولا».

وكان في ذلك تعبير عن احترام الصحفي واحترام حقه في السؤال.

ولم أر ممن شاركوني مؤتمر شيراك سوى الزميلين القديرين الحسين ولد محنض وأحمد الشيخ، وكلاهما ضاع معي في الزحمة، ولم تتح له فرصة توجيه سؤال إلى صاحب الفخامة.

كان عدد الصحفيين الموريتانيين في مؤتمر شيراك أقل من عشرة، أما اليوم فقد تجاوز عدد الحاضرين عشرة أضعاف ذلك. اتسعت القاعة، وكبر المشهد الإعلامي، لكن الأمل يبقى أن تتسع في المؤتمرات المقبلة مساحة السؤال بالقدر نفسه.

وتلك ملاحظات أثق أن القائمين على المكتب الإعلامي سيأخذونها بعين الاعتبار، فهم فريق متميز وذكي، وما حققته الخرجات الإعلامية لرئيس الجمهورية من نجاح يحسب لهم بلا ريب.